Page images
PDF
EPUB

المخبر أخبرني قال : حدثنى أبو أحمد الشيرازي الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر قال : كنت بحضرة أبى على بن مقلة يوما في وزارته وقد دخــل عليه على بن عيسى فجلس بين يديه وكان أبو عبد الله العلوى الموسوى حاضراً وابو على الحسن بن هرون فقال أبو على بن مقلة للحسن بن هرون : اكتب رقعة إلى أبي عبد الله تصف فيها اختلال ضيعته وتسأل فيها الاحتساب له بمظلمة وإطلاق معونة له. ففعل الحسن بن هرون ذلك في الحال وعرض الرقعة فوقع بإخراج الحال وأنفذ إلى الكاتب بأن أخرج الحال مصدقا لما في الرقعة قمل ذلك فوقع تحت إخراج الحال باطلاق عشرين كراً حنطة وعشرين كراً شعيراً معونة له والاحتساب بما ذكر مبلغه في المظلمة وقال لأبي الحسن بن هـرون : سلمه إلى أبى عبد الله . قال : فاستحسن الحاضرون كرمه في ذلك على رجـــل عــلوي وأخذ أبو الحسن على بن عيسى يشكر له ذلك ويصوبه له . فقال له مجيباً : لم لم تفعل مثل هذا يا أبا الحسن في وزارتك ؛ قال فنهض أبو الحسن وقال : استودع الله الوزير ولم يجب بحرف واحد . ومن زمانة أبى الحسن علي بن عيسى وتحسنه أنه كان يجب أن يبين فضله في هذا على كل أحد . أخبرني به غير واحد أن أبا عمر القاضى دخل إليه يوماً في بعض وزاراته وعلى أبى عمر قميص دبيقي شسترى فاخر فأراد أبو الحسن أن يخجله فقال له : يا أبا عمر بكم اشتريت شقة هذا القميص ؟ فقال : بمائتي دينار . فقال أبو الحسن : ولكن اشتريت لى هذه الشقة التي قطعت منها هذه الدراعة وهذا القميص الذى تحته بعشرين

ديناراً . فقال له أبو عمر مسرعا كأنه قد أعدله الجواب : الوزير أعزه الله يجمل الثياب ولا يحتاج الى المبالغة فيها ونحن نتجمل بالثياب فنحتاج الى المبالغة فيها لانا نلابس العوام ومن نحتاج الى التفخيم عليه واقامة الهيبة فى نفسه بها والوزير أيده الله يخدمه الخواص أكثر من خدمة العوام ويعلم أنه يدع هذا عن قدرة . قال : فكانما ألقم أبا الحسن حجرا وسكت عنه حدثني القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله قال : حدثني مكرم بن أبي بكر أن عم أبي الحسن بن مكرم القاضي قال : كنت خصيصاً بأبي الحسن على بن عيسى وربما شاورنى فى شئ من أمره . قال : دخلت عليه يوماً وهو مغموم جداً فقدرت أنه بلغه (۱) عن المقتدر أمر كرهه فقلت : هل حدث شيء ؛ وأومأت إلى الخليفة . فقال : ليس غمي من هذا الجنس ولكن ما أشد منه . فقلت: إنجاز أن أقف عليه فلعلى أقول شيئاً . فقال : نم كتب الى عاملنا بالثغران أسارى المسلمين في بلد الروم كانوا على رفق وصيانة إلى أن ولى آنها ملك الروم حدثان فعسفا الأسارى وأجاعاهم وأعرياهم وعاقباهم وطالباهم بالتنصر وأنهم في جهد جهيد وبلاء شديد وليس هذا مما لى فيه حيلة لأنه أمر لا يبلغه سلطانا ) ولا الخليفة ولا يطاوعاني فكنت أنفق الأموال وأجتهد وأجهز الجيوش حتى تطرق القسطنطينية . فقلت : أيها الوزير هاهنا رأى أسهل مما وقع لك يزول به هذا . فقال : قل يا مبارك . فقلت : إن بأنطاكية عظيماً للنصارى يقال له البطرك وببيت

(۱) ليس في الاصل وزدناه من كتاب هلال (۲) مخالف اسلوب الكلام :

هلال هذا وهو أقرب الى الحق فان السلطنة أسست بعد هذا الوقت

عند

المقدس آخر يقال له القاتليق وأمرهما ينفذ على ملك الروم حتى إنهما ربما حرما الملك فيحرم عندهم ويحلانه فيحل وعند الروم أن من خالف منهم هذين كفر وأنه لا يتم جلوس الملك ببلد الروم إلا برأى هذين وأن يكون الملك قد دخل إلى بيعتهما ويقرب بهما والبلدان في سلطاننا والرجلان في ذمتنا فيأمر الوزير بأن يكتب إلى عاملى البلدين بإحضارهما وتعريفهما ما يجرى على الأسارى وأن هذا خارج عن الملة وأنهما إن لم يزيلا هذا لم يطالب بجريرته غيرهما وينظر ما يكون من الجواب. قال: فاستدعى كاتبا وأملى عليه كتابا في ذلك وأنفذها في الحال وقال : سريت عنى قليلاً . وافترقنا فلا كان بعد شهرين وأيام وقد أنسيت الحديث جاءني فرانق من جهته يطلبني فركبت وأنا مشغول القلب بمعرفة السبب

=

في ذلك حتى وصلت إليه فوجدته مسروراً حين رآني قال : ياهذا أحسن الله جزاءك عن نفسك ودينك وعنى . فقلت : ما الخبر؟ فقال : كان رأيك في أمر الأسارى أبرك رأى وأصح وهذا رسول العامل قد ورد بالخبر (وأوماً إلى رجل كان بحضرته ) وقال له : خبرنا بما جرى. فقال الرجل : أنفذنى العامل مع رسول البطرك والقاتليق برسالتهما إلى قسطنطينية وكتبا إلى ملكيها : أنكما قد خرجتما عن ملة المسيح بما فعلتماه بالأسارى وليس لكما ذلك فانه حرام عليكم و مخالف لما أمرنا به المسيح من كذا وكذا وعدد أشياء من دينهما فاما زلتها عن هذا واستأنفتها الإحسان إلى الأسارى وتركتها مطالبتهم بالتنصر وإلا امنا كما على هذين الكرسيين وحرمنا كما . قال : فمضيت مع الرسول فلما صرنا بقسطنطينية حجبت

عن الملكين أياما وخليا ) بالرسول ثم استدعياني إليهما فسلمت عليهما فقال لى ترجمانهما : يقول لك الملكان إن الذى بلغ ملك العرب من فعلنا بالأسارى كذب وتشنيع وقد أذنا في إدخالك دار البلاط لتشاهد أساراكم فترى أحوالهم بخلاف ما بلغكم وتسمع من شكرهم لنا ضد ما اتصل بكم. قال : ثم حملت إلى دار البلاط فرأيت الأسارى وكأن وجوههم قــد أخرجت من القبور تشهد بالضرر وما كانوا فيه من العذاب إلا أنهـ مرفهون في ذلك الوقت وتأملت الى ثيابهم فإذا جميعها جدد فعلمت أنى منعت من الوصول تلك الايام حتى غير زى الأسارى . وقال لى الأسري: نحن للملكين شاكرون فعل الله بهما وصنع وأومأوا الى أن الأمر كان كما بلغكم ولكنه خفف عنا وأحسن إلينا بعد حصولك هاهنا . وقالوا لى : كيف عرفت حالنا ومن تنبه علينا وأنفذك بسببنا ؟ فقلت لهم : ولى الوزارة على بن عيسى فبلغه ذلك فأنفذ من بغداد وفعل كذا وكذا . قال : فضجوا بالدعاء إلى الله تعالى للوزير وسمعت امرأة منهم تقول : مر يا على بن عيسى لا نسى الله لك هذا الفعل . قال : فلما سمع ذلك على ابن عيسى أجهش بالبكاء وسجــد لله سبحانه وتعالى وبر الرسول وصرفه . فقلت له : أيها الوزير أسمعك دائما تتبرم بالوزارة وتتمنى الإنصراف عنها في خلواتك خوفا من آثامها فلو كنت في بيتك هــل كنت تقدر أن تحصل هذا الثواب ولو أنفقت فيه أكثر مالك ولا تفعل ولا تتبرم بهذا الأمر فلعل الله يمكنك ويجرى على يديك أمثال

(۱) الصواب «وخلوا»

حمدا لله

هذا الفعل فتفوز بثوابه في الآخرة كما تفردت بشرف الوزارة في الدنيا . حدثني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن داسة البصرى قال : حدثني

على بن ابراهيم بن حماد القاضي أن بعض مشايخ العرب أخبره عن رجل من المسلمين أسر ثم رجع إلى دار الاسلام . قال : لما حملنا في بلد الروم مرت بنا شدائد فحصلنا عدة ليال لا ننام من البرد وكدنا تتلف ثم دخلنا قرية فجاءنا راهب فيها بأكسية وقطف ثقيلة دفيئة فغطى جميع الاسارى كل واحد بواحدة فعشنا تلك الليلة فأقامونا في تلك القرية أياماً فكانت سبيلنا هذه ثم نقلونا إلى أخرى فعادت حالنا في العرى والبرد الى الأولى عن السبب فى ذلك فقالوا : إن رجلا ببغداد من التجار يقال له این رزق الله صبر ابن أبى عون توصل إلى أن حصلت له هذه الأكسية والقطف عند الراهب بغرامات مال جليل وسأله أن يغطى بها من تحصل في قريته من أسارى المسلمين وضمن له أن ينفق على بيعه في بلد الاسلام بازاء هذا فى كل سنة شيئاً مادامت الاكسية محفوظة للأسارى فالراهب

فسألنا

[ocr errors]

يفعل ذلك في هذه القرية وما قبلها وما بعدها ليس فيها شي من هذا . فأقبلنا ندعو لابن رزق الله كلما لفحنا البرد ولحقتنا الشدة ونحن لا نعرفه . حدثني أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن عباس القاضى (۱) أن رجلاً دامت عطلته فزوّر كتباً عن على بن محمد بن الفرات وهو وزير إلى ابى زنبور ( عامل مصر لخرج إليه فلقيه بها فا نكرها أبو زنبور لا فراط ) التأكيد فيها وكثرة الدعاء للرجل وأن محله عنده لم يكن يقتضى ذلك

(۱) وردت الحكاية في كتاب الوزراء ص ۱۱۳ (۲) هو المادراني

(ه)

« PreviousContinue »